ابن قيم الجوزية
225
الروح
الذي نفخ فيه منه هو الملك الذي ينفخ الروح في سائر أولاده ، ولو كان كذلك لم يكن لآدم به اختصاص ، وإنما ذكر في الحديث ما اختص به على غيره وهو أربعة أشياء : خلق اللّه له بيده ونفخ فيه من روحه يستلزم نافخا ونفخا ومنفوخا منه ، فالمنفوخ منه : هو الروح المضافة إلى اللّه ، فمنها سرت النفخة في طينة آدم ، واللّه تعالى هو الذي نفخ في طينه من تلك الروح ، هذا هو الذي دل عليه النص ، وأما كون النفخة بمباشرة منه سبحانه كما خلقه بيده أو أنها حصلت بأمره ، كما حصلت في مريم عليها السلام ، فهذا يحتاج إلى دليل ، والفرق بين خلق اللّه له بيده ونفخه فيه من روحه أن اليد غير مخلوقة ، والروح مخلوقة ، والخلق فعل من أفعال الرب ، وأما النفخ فهل هو من أفعاله القائمة به أو هو مفعول من مفعولاته القائمة بغيره المنفصلة عنه ؟ وهذا مما لا يحتاج إلى دليل ؛ وهذا بخلاف النفخ في فرج مريم ، فإنه مفعول من مفعولاته ، وأضافه إليه لأنه بإذنه ، وأمره فنفخه في آدم هل هو فعل له أو مفعول ، وعلى كل تقدير فالروح الذي نفخ منها في آدم روح مخلوقة غير قديمة ، وهي مادة روح آدم ، فروحه أولى أن تكون حادثة مخلوقة وهو المراد . المسألة الثامنة عشرة [ وهي تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها ] فهذه المسألة للناس فيها قولان معروفان حكاهما شيخ الإسلام وغيره ، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم ، وحكاه ابن حزم إجماعا . ونحن نذكر حجج الفريقين وما هو الأولى منها بالصواب . قال من ذهب إلى تقدم خلقها على خلق البدن : قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا « 1 » قالوا ثم للترتيب والمهلة فقد تضمنت الآية أن خلقها مقدم على أمر اللّه للملائكة بالسجود لآدم . ومن المعلوم قطعا أن أبداننا حادثة بعد ذلك ، فعلم أنها الأرواح .
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 172 .